الشيخ محمد علي الأراكي
242
أصول الفقه
فأصالة البراءة عن التكليف الأوّل لا يثبت التكليف الثاني ، لأنّها بالنسبة إلى الثاني من الأصل المثبت . وحينئذ فنقول : الكلام من هذا الحيث تارة في الأصل العقلي ، وأخرى في الشرعي ، أمّا الأوّل أعني : حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فلا إشكال في أنّه مثبت للأثر المترتّب على نفس عدم العقاب وعدم تنجّز الخطاب وفعليّته ، كما في باب المزاحمات حيث إنّ عصيان التكليف الغصبي موجب لبطلان الصلاة في الدار الغصبيّة وعصيان التكليف بإنقاذ الغريق الأهمّ موجب لعدم فعليّة التكليف بإنقاذ الغريق المهمّ . وأمّا لو انتفى العصيان والتنجيز والفعليّة عند الشكّ في غصبيّة الدار ، أو في وجود الغريق الأهمّ بواسطة أصالة البراءة وقبح العقاب بلا بيان كانت الصلاة صحيحة وإنقاذ الغريق المعلوم المهمّ مأمورا به فعلا ، نعم هذا الأصل لا يثبت الأثر المترتّب على نفي التكليف وثبوت الإباحة الواقعيّة ؛ لوضوح أنّ العقل الحاكم بقبح العقاب بلا بيان لا يعيّن نفي التكليف في الواقع وثبوت الإباحة كذلك . وأمّا الأصل الشرعي فإن قلنا بأنّه مسوق لبيان رفع العقوبة عن التكليف المشكوك كما هو مفاد الأصل العقلي ، فقوله : « رفع ما لا يعلمون » ناظر إلى عين ما استقلّ به العقل من قبح العقاب بلا بيان ، وكذلك قوله : « كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي » وقوله : « كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام » فمفاد الكلّ أنّ المؤاخذة والعقوبة مرفوعة ما دام التكليف مشكوكا ، فالكلام فيه هو الكلام في الأصل العقلي بعينه من التفصيل بين الآثار المترتّبة على نفس عدم العقاب ، وبين الآثار المترتّبة على الإباحة الواقعيّة ، بترتّب الأولى دون الثانية . وأمّا إن قلنا بأنّ مفاد البراءة الشرعيّة جعل الإباحة والحليّة في مرحلة الظاهر في مورد الشكّ لا مجرّد عدم العقاب على التكليف المشكوك ، فمقتضى القاعدة هو التفصيل بين ما إذا كان ثبوت أحد الحكمين عند عدم ثبوت الآخر من باب الملازمة ، وبين ما إذا كان من باب ترتّب الحكم على الموضوع ، ففي الأوّل يكون